(52) أقوال منسية حول التغريب*
د - أحمد إبراهيم خضر
منذ العشرينيات من القرن السابق والباحـثـون الـغـربيون المتخصصون منشغلون بقضايا تغريب العالم الإسلامي بعامة، وما يسمونه بمنطقة الشــرق الأوســـط بخاصة ولا يكاد يخلو أي كتاب أو أي مقالة تتعرض لحياة المسلمين من إشارة هنا وأخرى هناك لهذا التغريب، إلى الدرجة التي حدت بهؤلاء الباحثين إلى القول:

"إن مظاهر التغريب عند شعوب الشرق الأوسـط مشـاهدة تمامـاً وبدرجــة كـافـيـة وإنه لمن السهل عليك أن تضع قائمة طويلة توضح لك كيف أن هذه المظاهر التقليدية التـي كـانـت سائـدة مـنـذ مـائـة أو مـائـة وخمسين عاماً قد اجتاحتها رياح التغيير، واستبدلتها بقيم أدخلها الغرب".

لم يكن تغريب المسلمين مسألة متروكة لمجرد الاحتكاك بين الثقافتين الإسلامية والغربية، ثم متابعة آثار هذا الاحتكاك على الإسلام والمسلمين، إنما كانت سياسة موجهة ومدروسة تسـتـنـد إلى تنظير خاص، يعتمد في جزء كبير منه على تجارب الاحتكاك بين الإسلام والـغـرب فـي الـمـاضــي، وعـلـى تجربة الثورة الصناعية وما تلاها من آثار على البناء الاقتصادي والاجتماعي والتقني الـغـربي، ثم على تحليل مسألة اتساع الهوة بين هاتين الثقافتين بعد الثورة الصناعية؛ بسبب الاستقرار الثقافي في بلاد المسلمين، وتلك التراكمات التي أخذت مكانها في الغرب.


نظرية ومكاسب:

استندت عملية تغريب المسلمين إلى ما يسمى بنظرية (تشويش الأحكام القيمية) أو إيقاع الاضطراب في هذه الأحكام، وتقوم هذه النظرية على الأساس التالي:
"هناك توازن وتوافق بين عناصر ثقافة المجتمع التقليدي المستقر جيداً، بمعنى أن القيم التي تحكم وتسود هذا المجتمع تتسق وتؤيد واقعه المعاش ؛ ولهذا تتميز ثـقـافــة هــذا المجتمع بالتماسك والتوازن الداخلي.

ويـمـكـن للواقع الثقـافي أن يعير وأن يستعير عناصر من ثقافة أخرى مخالفة بصورة أكثر سرعة مــن اسـتـعارة القيم الثقافية، ولهذا يصعب حدوث تغير في القيم في الوقت الذي يسهل فيه حدوث تغير في الواقع.

وعندما يحدث اتصال بين ثقافتين م...